فخر الدين الرازي

259

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مخالطة للقاذورات والنجاسات وتعالى اللَّه عنه وأيضا فعلى هذا التقدير : تكون السماوات حالة في ذاته وتكون الأرض أيضا حالة في ذاته . إذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو محل السماوات اما ان يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره فإن كان الأول لزم كون السماوات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلا وكل حالين حلا في محل واحد لم يكن أحدهما : ممتازا عن الآخر فلزم ان يقال : السماوات لا تمتاز عن الأرضين في الذات وذلك باطل وان كان الثاني : لزم أن تكون ذات اللَّه تعالى مركبة من الاجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : وهو ان ذات اللَّه تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الاحياز والجهات فاما ان يقال : الشيء الذي حصل فوق هو / عين الشيء الذي حصل تحت فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في احياز كثيرة وان عقل ذلك فلم لا يعقل أيضا حصول الجسم الواحد في احياز كثيرة دفعة واحدة ؟ وهو محال في بديهة العقل . واما ان قيل : الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات اللَّه تعالى وهو محال . واما القسم الثاني : وهو ان يقال : انه تعالى متناه من كل الجهات . فنقول : كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لأجل تخصيص مخصص وكل ما كان كذلك فهو محدث وأيضا فان جاز ان يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديما أزليا فاعلا للعالم فلم لا يعقل ان يقال : خالق العالم هو الشمس أو القمر أو كوكب آخر وذلك باطل باتفاق . واما القسم الثالث : وهو ان يقال : انه متناه من بعض الجوانب وغير متناه من سائر الجوانب فهذا أيضا باطل من وجوه أحدها : ان الجانب الذي صدق عليه كونه متناهيا غير ما صدق عليه كونه غير متناه والا لصدق النقيضان معا وهو محال . وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركبا من الاجزاء والأبعاض وثانيها : ان الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهيا اما ان يكون مساويا للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه واما ان لا يكون كذلك والأول باطل لان الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي وإذا كان كذلك : فالجانب للذي هو غير متناه يمكن ان يصير متناهيا والجانب الذي هو متناه يمكن ان يصير غير متناه ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممكنا وكل ما كان كذلك فهو محدث وذلك على الإله القديم محال فثبت انه تعالى لو كان حاصلا في الحيز والجهة لكان اما ان يكون غير متناه من كل الجهات واما ان يكون متناهيا من كل الجهات أو كان متناهيا من بعض الجهات ، وغير متناه من سائر الجهات فثبت ان الأقسام الثلاثة باطلة فوجب ان نقول القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة محال . والبرهان الثالث : لو كان الباري تعالى حاصلا في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة اما ان يكون موجودا مشارا اليه واما ان لا يكون كذلك والقسمان باطلان فكان القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة باطلا . أما بيان فساد القسم الأول : فلانة لو كان المسمى بالحيز والجهة موجودا مشارا اليه فحينئذ / يكون